أعطوا لي ثوبا أحمر طويلا و اشتروا لي نجمة خضراء..كنت متفائلا رغم أنهم أخبروني أني عربي..و قليل التفاؤل حين حدثوني عن القانون..و عظمة الدولة و سلطة الشرطي و رهافة حس الحكومة أمام كل انتقاد أو تشويش على مسيرة الحكومة..
الطبيب كان غاضبا على ما بدا..و تفاؤلي نبتت له أجنحة و طار بعيدا أنه لا يحب رائحة أدوية المستشفى العطنة رغم أني لا أظن أني أحببتها كذلك..و لا أحببت النظر إلى العالم الذي وجدتني فيه بالمقلوب مع قبضة الطبيب الغاضب على رجلي و إصراره الغريب على صفع مؤخرتي حتى البكاء.
بعد أن أرهق نفسه في التفكير..و هو الشيء الذي يسبب له صداعا..قرر س أن ينشئ مدونة..طغى عليه الحلم و قرر أنه لا بد لصوته أن يصل إلى أبعد مدى..أجل، يجب أن يستفيد العالم من س، في المدونة سيكتب عن أحوال الطقس و عن باب الحارة في رمضان ثم سيجد حتما مسلسلا تركيا يكتسح الشاشات ليكتب عنه..مع بعض صور للمشاهير..أفلام مقرصنة..و أغاني مفرفشة..ههه.. ربما وجد أصدقاء و جمهور يحبه..و ربما منحته احدى مجتمعات التدوين جائزة..
جلس عمر في انتظاري طويلا فحين وصلت وجدت مكانه في المقهى فارغا..لا أقلق عادة لغضبه و لا يعبا هو في الغالب لتأخري فصداقتنا لا تكترث لمثل هاته الأمور التي قد يراها الآخرون ضرورية..يحدث أن لا أذهب لموعد في المقهى اتفقنا عليه قبلا و يكثر أن أنتظره أمام باب بيته لساعات حتى ينتهي من لباسه و النظر لصورته في المرآة..هو شخص ثري و الأثرياء في العادة يمتلكون دولابا غنيا يكسي حارتنا عن بكرة أبيها..يقضون وقتا في الاختيار و آخر في التعجب ثم يضعون المساحيق و يخرجون ليغيضوا الفقراء مثلي..
الشخص الذي التقيته أول يومي في المدرسة و الذي لا يحسن من العربية سوى بضع كلمات تجعلنا نستلقي ضحكا..الأمازيغي الطيب..الطوباوي و الغبي لم يعد الشخص نفسه..داروين أصاب جزئيا في نظريته للتطور و عمر طبق ما جاء فيها دون أن يلتفت للكتاب..
هجرت لبنى ملاعب الطفولة..أصبحت وجنتاها تتوردان كلما اقتربت منها..انضمت لكوكبة النسوة و غدت قليلة الظهور في الحي و منزوية في ركن البنات في ساحة المدرسة..فجأة اكتشفت أن لبنى امرأة..يا ويلي..جسمها أصبح شيئا آخر..و كلماتها تخلت عن عبارات الطفولة و تلونت بعبارات الكبار..تضع مساحيق و طرحة على الرأس و تنظر نحو الأسفل كلما التقت عينانا..أقول لها لبنى تعالي نلعب..تبتسم في خجل و تنظر نحوي بعين غريبة و تهرول هاربة..
سأعرف لاحقا أن النساء لا يمتلكون كل أعضاء الرجال..و لا كل قوتهم..نحن قوامون..أجل فقد كنت أنا قواما على لبنى في كل شيء و الفقيه أكد لي في المسجد اختلافنا..لم أكن مضطرا لوضع الحجاب مثلها..رغم أن مراهقتي لم تتأخر كثيرا..في مجتمعنا الرجل يحتوي كل شيء..يظفر بالألعاب و ساحة المدرسة..و يفرح به أهله حين دخوله إلى الدنيا..عكس البنات..أبو أسامة أنجب أسامة الولد ثم نسى الوصفة..بعده كانت البنات تتساقط عليه كل عام و كلما حاول مرة أخرى أعطاه ربه بنتا أخرى..و هكذا إلى أن تعلم الدرس..متأخرا كعادته فقد كان أب سبع بنات و طفل..

الصديق وقت الشدة
الصداقة كنز لا يفنى..من قال مثل هذا الكلام صدق جزئيا لكنه لم يكمل جملته..الصداقة فعلا كنز لا يفنى لكنه مدفون في حقل ألغام شديدة الانفجار..محاط بأسوار عالية و أسلاك شائكة..و في حالة امتلكت الشجاعة لجلب الكنز عليك أن تدفع الثمن غاليا..جدا
كنت شخصا بصداقات كثيرة..تافهة في الغالب، أو هي مرتبطة بمصالح لمن ادعوها..في كل يوم كنت أكسب صديقا..في المتجر، في الحي أو حتى في الفايس بوك..و في كل يوم كان هاتفي يستقبل أرقام هواتف أصدقاء جدد..و أنام قرير العين فرحا بكومة النفايات التي تكومت حولي..
يصرخون..يصرخون..
ماذا يفعل ليقنعهم بان النوم يدخل مع حقوق الانسان..رمضان؟و ماذا بعد..ككل سنة..جوع و نوم و إفطار و مسلسلات لا تنتهي..و نهار طويل طويل يقضي أغلبه في فراشه متناسيا الوقت بالنوم..ماذا يفعل العاطلون سوى ذلك..ابحث عن عمل..أمه طوباوية لأقصى حد، و هل هناك شغل في باقي الأيام حتى يوجد في رمضان؟..إن كان أرباب الشغل يرمونه توا خارجا كلما فتح لهم محفظة الشواهد و أعاد لهم حكاية العوز و رغبة العمل..فماذا سيفعلون فيه الآن؟..الأمة الآن في حرب..أي و الله..أين رمضان؟غزوة بدر؟فلتنظر هي خارج النافذة..الصائمون يفتشون الآن أيضا عن غزوات والناس لا تنتظر أبا سفيان و عيره لتبدأ شجاراتها..مزاحمة أحد في الطريق تكفي ثم تبدأ الحرب..
بعد أن تركتك تفكر لي قليلا..أدركت أني سأتزوج..في إحدى تطبيقاتك أدركت أن زوجتي يبدأ اسمها بحرف “س”..و قال لي آخر أني لست إنسانا هوائيا و أني أحب الاستقرار..و سأتزوج عما قريب من إنسانة تقدرني و تحترمني..
لا أعرف فتاة يبدأ اسمها ب”س”..الحقيقة أني لم أعرف أي فتاة قط..سوى صديقتك “سوسو الكئيبة” التي أضافتني لقائمة أصدقائها غصبا عني و التي تعلن حبها لأي خرافة اكتبها في الحائط، في خانة”ماذا يخطر ببالك؟”..و تمطرني كل يوم بعشرات الدعوات لتشجيع..و إدانة..و نصرة بوركينافاسو..
أنا خجول-كما تقول- و منطوي -طبعا- على نفسي بنسبة المائة في المائة.. كما اكتشفت أني أفضل عمرو خالد على عمرو دياب و أحب خمس شخصيات لي هم أنا و أنا و أنا و أنا و في الأخير هناك أنا ..كما أن سيارتي المفضلة هي “تاتا”..و أني-وهذا ما جعلني أحبك جدا-ذكي لدرجة غير معقولة مع صورة لأينشتاين..
جلست طويلا أنظر للمسرحية..أراقب الممثلين في ذهابهم و إيابهم على الخشبة..كلماتهم و انفعالاتهم و ابتسامات ظلت طريقها..كنت قد تسمرت أمام الشاشة لمدة ساعة..و أسأل نفسي لما لا أضحك؟المشاهدون على المسرح يقهقهون..صحيح أن الضحكات تخطئ اللحظة و تأتي في لحظات لا يبتغي بها الممثل إضحاك الجمهور ..بل هو في الحقيقة يعلن عن وفاة أبيه..لكن الجمهور كان يضحك..بينما كنت أنتظر..
قبل أن أبكي..كانت الكاميرا قد حطت على شخص اختلطت عليه الأماكن و نام..لم يكن النوم قد استحوذ عليه تماما..ربما لأن السيدة الجالسة أمامه لم تتوقف عن القهقهة بدون سبب و بدون ممثلين..بل حتى في إسدال الستار..كانت تزعجه، بل كانت تزعج الجمهور كله و المخرج أيضا و الممثلين..ربما كانت لتزعجني أنا أيضا لولا أني كنت منشغلا بالبكاء. انتظرت ما يكفي ثم قررت أن أغير القناة قبل أن أصاب بجلطة..و لأحتفظ بصورة محترمة للممثلين..فربما حاولوا في أعمال أخرى تستطيع أن تحرك شفتي قليلا..
أنفي طويل و وجهي غير متناسق..لا تضحك أرجوك..فجسمي أيضا نحيل لدرجة أن رأسي دائم التأرجح و نسبة استقراره تقارب الصفر إذا أهملنا ساعات نومي حالما بسخرية الآخرين مني..ستجد مشيتي مضحكة جدا و كلامي متداخلا و متلعثما حتى لا يفهمه أحد سواي و خوفي..و مع ذلك فأنا لم أختر أن أكون نفسي كما لا يعود الفضل إليك لأنك وسيم أو غني..لم أستشر إذ ولدت..و لم أنتقي والدي الفقير كما لم تختر أنت والدك الغني..و لا حذائي التاريخي و لا قميصي القادم من قرن آخر..و لا حتى القلم الذي أكتب به إليك
أنت تضحك..تتخيل شكلي و تبتسم..تماما كما يبتسم الآخرون..سأحاول أن لا أغضب..سأحاول أن أبتسم أيضا..انتظر..سأرى نفسي في المرآة و أبتسم..أضحك ملئ شدقاي و أقهقه أيضا..ثم ماذا؟فقط تخيل أن تكون أنت الذي لم تختر نفسك، أن تكون أنا..ثم حاول أن تضحك..سنضحك معا الآن..هل تحاول؟لديك ثمانية إخوة و أب و أم و غرفتان..واحدة لشخير أبيك و الثانية لك..عفوا، لكم جميعا، هم إخوتك على كل حال فلا تخجل..هل سمعت بالسردين؟ستكره بعد اليوم الإمام الذي يردد دون معنى:”تزاحموا تراحموا”..ستعرف لماذا يتقاتل أبناء الفقراء كل يوم حتى دون سبب..هل استوعبت الفكرة؟
كانا صديقين منذ الطفولة..جاران من نفس الغار المتهالك و تاريخهما من نفس القبيلة البعيدة..كانا في الدراسة معا..توقفا معا في نفس الطريق..فتشا عن الأكل..ذهبا للسينما..سخر الأخرون من شكلهما و لونهما.. معا حلما بالزوجة الجميلة..الأطفال الذين لا يصرخون كثيرا..و امتلاك المنزل الفخم حيث عدوهما (ص)*يعمل حارسا ليليا..
كانا لا يزالان يلعبان نفس اللعبة..بحثا عن شيء في نفس المقهى و تحت دخان نفس جنس السيجارة الرخيصة..حين اكتشفا السنين التي مرت في انتظار الحلم، و الزمن الذي لازال يرسم البؤس حولهم في كل مكان..الحفر تزداد اتساعا و الظلم شدة و حتى الغذاء غدا نزرا قليلا لا يكفي، قررا في لحظة ما أن يغيرا المستقبل ما دام الماضي يسكن قربهما..أن يبحثا بعيدا عن الحظ المختبئ في مكان ما..
أحدث التعليقات