الثلاثاء , 21 نوفمبر 2017

عَازل طِبِيّ..

طارق بنهدالا زلت أتعجب من إصرار بعض المتدخلين في ميدان محاربة السيدا، داء فقدان المناعة المكتسبة، التركيز على ضرورة استعمال العازل الطبي لدى المصابين أو المعافين من هذا الداء الفتاك، رغم أن هذه الدعوات أطلقت منذ زمن والمرض يزيد في الانتشار..

معطيات خطيرة..

تشير تقديرات المنظمة العالمية للصحة أن الأيدز أصاب 60 مليون نسمة منذ اكتشافه عام 1981، وأن 20 مليون من أولئك المصابين قضوا نحبهم بسببه، في حين تقول آخر إحصائيات وزارة الصحة بالمغرب أن عدد الأشخاص المتعايشين مع الفيروس في المغرب بلغ حوالي 29 ألف شخص، فيما لم يتجاوز عدد الحالات المصرح بها 6453، كما أن 80% من حاملي السيدا عندنا ليس لهم علم بإصابتهم به.. وما خفي كان أعظم..

وكلنا نعلم أن الاتصال الجنسي يعتبر السلوك رقم 1 الذي يؤدي إلى انتشار السيدا كانتشار النار في الهشيم، أي بنسبة تزيد عن 90%، وهو ما جعل المنظمات الدولية ومنها المحلية تدعو “المتصلين جنسيا” إلى ضرورة استخدام العازل الطبي أو الواقي الذكري تجنبا واحترازا لانتشار الفيروس الذي لا زال يسقط العديد من الضحايا..

دعم لمحاربة السيدا..

كنت متابعا مثل بعض المغاربة لسهرة “سيداكسيو 2012″ التي بثتها بالمباشر القناة الثانية بالتنسيق مع جمعية محاربة داء السيدا قصد جمع التبرعات لمحاصرة الداء الفتاك ببلدنا، ولا أدري ما علاقة حشد ثلة من مغنيي الشعبي والشرقي والراي لإحياء هذه السهرة التي تبدو أهدافها نبيلة استنادا إلى شعاراتها المرفوعة.. فشهادات ضحايا الأيدز التي أوردتها القناة تدمي القلب أكثر مما تدمي العين.. لكن المنظمين يصرون على سياسة “النَشَاطْ” من أجل بلوغ أزيد من 13 مليون درهم لفئة المصابين بالسيدا.. التي لا ندري هل تصلهم فعلا..

عازل طبي لكل سائق..

وسط البرنامج الذي استمر لأزيد من 3 ساعات متواصلة، ظهر روبورتاج يصور حملة خاصة تقوم بها خلية منكبة على توعية سائقي الشاحنات وحافلات النقل.. المرأة الوسيمة والمتحمسة تجلس مع أحدهم وهم ممسك بعازله الطبي وتسأله.. “هل أنت متزوج.. نعم .. لاشك أنك تربط علاقات جنسية في الليالي التي تقضيها خارج البيت.. بطبيعة الحال.. هل تستعمل العازل الطبي.. نعم.. جيد..”، ولاشك أن كلا الطرفين منتشيان بهاته الجلسة “العلاجية” .. لأن النتيجة “إيجابية” في نظرهما: السائق مستمر في خيانة زوجته وربط علاقات جنسية غير قانونية والمرشدة مطمئنة لاستعماله العازل الطبي..

للأسف هذه هي المقاربة المختلّة التي تصر مثل هاته الجمعيات وشبيهاتها بالخارج على استخدامها لوقف زحف داء مدمر للذات وللمجتمع، أي تشجيع جرائم الخيانة والعلاقات الجنسية غير الشرعية في مقابل طمأنة الجناة بدعوتهم إلى استعمال العازل الطبي..

ولا يعقل أن تقوم السلطات الأمنية بحملات للقبض على العاهرات والزواني في الغرف الحمراء المشبوهة .. وتقوم من ناحية أخرى وزارة الصحة وزميلاتها كجمعية محاربة داء السيدا بتشجيع العهر والخيانة والعلاقات الجنسية غير الشرعية باستعمال العازل الطبي.. الذي توزعه بالمجان وينتشر بأثمنة زهيدة في الصيدليات..

المعادلة السليمة..

لا شك أن أمثال هؤلاء يدرون أكثر من غيرهم بأن أكبر أسباب انتشار السيدا هو العلاقات الجنسية خصوصا غير الشرعية منها، إذاً فالمنطق السليم يستدعي توقيف هاته العلاقة الجنسية غير الشرعية والمخالفة للقانون.. وهي العملية الحسابية السليمة..

لكن أن نشجع على استخدام الواقي الذكري فهو تشجيع على تدمير النسيج القيمي للمجتمع طالما ارتبطت نشأته بالدين والأخلاق والقيم الرفيعة..

إن حل مشكل كبير كالسيدا بالمغرب يبغي اعتماد مقاربة عميقة للعلاج والوقاية تقطع أصل الجذر الذي ينبت هاته النبتة الخبيثة، بمعنى التربية على السلوك الحسن وضبط الانزلاقات الخطيرة.. كتشجيع الشباب على الزواج ماديا ونفسيا، وخلق فرص للشغل وحجب المواقع الإباحية وتوجيه الإعلام الرسمي إلى بث الرسائل الفنية النبيلة، وتوعية الفئات التي تقول عنها تلك الجهات أنها هشة من سائقي الطاكسيات والشاحنات وأطفال الشوارع ومدمني المخدرات، عبر الترشيد والاستيعاب المباشر والاحتضان بدل التهميش الممنهج ورمي الحطب في نار شهوتهم المشتعلة بإهدائهم عوازل طبية مجانية..

إنه منطق التربية السليمة الذي سيبني مجتمعا متماسكا ويعالج كل داء فتاك .. وليس منطق تغطية الشمس بالغربال وتخريب مجتمع بدعوى “الحرية الفردية” ..

نشر في هسبرس

Be Sociable, Share!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Welcome مدونات قلمي المغربية – Qalami.Net

تسجيل الدخول

هل فقدت كلمة مرورك؟

التسجيل في هذا الموقع

Join

Join us as we spread the word.