الثلاثاء , 21 نوفمبر 2017

لو كنت إخوانيا لشعرت بالقلق

عبد الباري عطوانلا يخامرنا أدنى شكّ في أن مشروع الدستور المصري المطروح على الاستفتاء في جولتيه الأولى والثانية سيفوز بالأغلبية، ولكنني لو كنت «إخوانيا» وبعد الاطلاع على نسبة المشاركة في الجولة الأولى (33 في المائة) ونسبة التأييد (56 في المائة) لشعرت بالقلق الشديد.

طرح الرئيس محمد مرسي لمشروع الدستور على الاستفتاء عكس ثقة كبيرة بالفوز بأغلبية كبرى، تتساوى أو تزيد على نسبة فوز التيار الإسلامي في الانتخابات البرلمانية، أي أكثر من 76 في المائة، خاصة في ظل شراسة المعارضة الليبرالية ومواجهات كسر العظم بينها وبين السلطة التي انعكست في هيئة حرب المظاهرات والاعتصامات أمام قصر الاتحادية وفي ميدان التحرير وفي ميادين مدن مصرية أخرى.

هناك عدة ملاحظات يمكن التوقف عندها وتحليل معانيها، من خلال متابعة الاقتراع على مشروع الدستور والنتائج الأوليّة غير الرسمية للجولة الأولى:
– أولا: أثبت الشعب المصري سلوكا حضاريا ديمقراطيا يستحق التنويه، فرغم حالة الاحتقان والانقسام السياسي في البلاد، فإن عملية التصويت تمت بهدوء ودون صدامات، وجاءت النتائج أقرب إلى النزاهة، دون تجاهل حدوث بعض التجاوزات والمخالفات، استدعت تقديم طعون من منظمات حقوقية رئيسية.
– ثانيا: لوحظ التفاوت الكبير بين مواقف أهالي المدن الرئيسية مثل القاهرة والإسكندرية الذين صوتوا ضد مشروع الدستور ونظرائهم في الصعيد (سوهاج وأسيوط، مثلا) وجميع محافظات سيناء الشمالية والجنوبية ومحافظة الشرقية (مسقط رأس الرئيس مرسي) الذين أيدوا الدستور بنسبة تزيد على أكثر من سبعين في المائة، مما يعني أن الانقسام لم يكن سياسيا فقط، وإنما اجتماعيا وجغرافيا أيضا.
– ثالثا: إقدام بعض أنصار التيار السلفي على إحراق مقر حزب الوفد وصحيفته، كرد انتقامي على محاولة الاعتداء على الشيخ المحلاوي ومحاصرته، وهما الحادثتان الأبرز اللتان لفتتا الأنظار أثناء الجولة الأولى، وركزت عليهما القنوات الفضائية، ولكن قد يغيب عن أذهان البعض أنه جرى حرق 27 مقرا لحزب الحرية والعدالة الإخواني أثناء حرب المظاهرات التي سبقت الاستفتاء، بما في ذلك مقر الحزب الرئيسي.
– رابعا: من المتوقع أن تكون نسبة المشاركة أعلى في الجولة الثانية السبت المقبل، لأن عملية الحشد من قبل قطبي المعادلة السياسية، الحكومة والمعارضة، أكبر وأكثر شراسة، مع الأخذ في الاعتبار أن معظم المحافظات المتبقية التي سيجرى فيها الاستفتاء يحظى التيار الإسلامي فيها بنسبة تأييد أكبر.

ما يمكن قوله أننا لم نر مهرجانات فرح كبرى من قبل أنصار الرئيس مرسي أو خصومه، فلم يدعِ أنصار التيار الإسلامي انتصارا كاسحا، ولم تسلّم المعارضة بهزيمة كبرى، ليس فقط لأنها الجولة الأولى، وإنما لأن النتائج جاءت مفاجئة وأقل كثيرا من توقعات الطرفين.
شخصيا، وكواحد ينتمي إلى أسرة فلاحية الجذور وينحدر من والدين أميين لم يقرآ ولم يكتبا حتى انتقالهما إلى الرفيق الأعلى، شعرت كثيرا بالإهانة عندما ركز بعض قادة المعارضة الليبرالية على ربط الأمية بالتصويت لمصلحة التيارات الإسلامية في الاستفتاء وحصر التحضر والفهم في أهل المدن، وأنصار المعارضة على وجه الخصوص.

إذا كانت نسبة الأمية عالية في مصر، والنجوع الريفية على وجه الخصوص، فهذا ليس ذنب هؤلاء الناس البسطاء الكادحين، وإنما ذنب الحكومات المتعاقبة، وخاصة في عهدي الرئيسين السادات ومبارك، التي أهملت هؤلاء وتعليمهم، وحصرت التنمية الاجتماعية والثقافية في المدن الكبرى فقط.
التيار الإسلامي يجب أن يحللّ نتائج هذا الاستفتاء بعناية، ويستخلص الدروس والعبر منها، وأبرزها أن شعبيته تتراجع في أوساط المصريين، منذ انتصار الثورة، الأمر الذي يتطلب المراجعة الدقيقة لمعرفة الأسباب، ومن بينها الثقة الزائدة عن الحد، وعدم فتح حوارات جدية مع التيارات الأخرى لتوسيع دائرة المشاركة والشراكة في تحمل المسؤولية في المرحلة الانتقالية الحرجة.

صحيح أن هناك جهات داخلية وخارجية، تملك المليارات، وتقيم غرفة عمليات خاصة لإفشال حكم الإخوان في مصر، وتعتمد على آلة إعلامية جبارة لتحقيق هذا الهدف، ولكنه صحيح أيضا أن رجال الأعمال التابعين أو المتعاطفين مع التيار الإسلامي، الإخواني والسلفي، يملكون المليارات أيضا، وهناك دول خارجية أيضا تساندهم، ولذلك لا يجب اللجوء إلى الأعذار والحجج لتبرير بعض الأخطاء والممارسات الخاطئة، وإنما مواجهة الوقائع بعقلانية وعلمانية والاعتراف ببعض جوانب التقصير.

المعارضة المصرية، والممثلة في جبهة الإنقاذ على وجه الخصوص، أثبتت نضجا سياسيا عندما تخلت عن المقاطعة، وطالبت أنصارها بالمشاركة في الاستفتاء، وعليها أن تعتمد هذا النهج في الأشهر والأعوام المقبلة، فصناديق الاقتراع هي الحكم، وهي وسيلة التغيير الحضارية الأكثر فعالية، وليس الاحتجاجات المتوالية فقط التي توتر الأجواء وتعطلّ الإنتاج، وتهيّئ المسرح لصدامات تخيف الشعب، وتهزّ استقرار مصر.

الانتخابات البرلمانية قادمة، وعلى بعد بضعة أشهر، ويمكن أن تكون الاختبار الحقيقي لقوة جميع التيارات، والأهم من ذلك كله، سحب سلطة التشريع من الرئاسة وإعادتها إلى ممثلي الشعب، فمن انتظر ثلاثين عاما للوصول إلى عملية التغيير الديمقراطي الحالية والإطاحة بنظام ديكتاتوري فاسد، يستطيع أن ينتظر بضعة أشهر للوصول إلى طموحاته عبر صناديق الاقتراع، أو هكذا نعتقد.

Be Sociable, Share!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Welcome مدونات قلمي المغربية – Qalami.Net

تسجيل الدخول

هل فقدت كلمة مرورك؟

التسجيل في هذا الموقع

Join

Join us as we spread the word.