الأربعاء , 26 يوليو 2017
لا يمكن أن تنمحي من ذاكرتي صور بعض النساء في أسرتي، وأنا ما أزال بعدُ طفلة صغيرة، حين كن يجتمعن كل عشية، رفقة القريبات أو الجارات، على مائدة شاي وعلى إيقاع أي أغنية طويلة تواكب تلك الثرثرة التي كانت طقسا يوميا يحكين فيه قصصا يلفها الحزن من كل جانب.. تكون فيها الذكريات المستحضرة عمن غادروا الحياة عذرا معلنا للإسهاب في ذرف الدموع من أجل أحزان خفية. كنت أعرف أنني سأغادر البيت متوجهة إلى المدرسة وأنني سأجدهن عند الرجوع منها في نفس الوضعية، ينتقلن من حكاية إلى أخرى ومن ذكرى إلى أخرى دون ملل. لكن المثير في هذه الساعات الممتدة أن ذلك الحزن قد يتحول، في أي لحظة، إلى وصلة مباغتة من الفرح. وكنت أندهش من هذا القفز المنظم والمفاجئ من حالة الكآبة إلى حالة البهجة دون سابق إنذار؛ لكنني، الآن، أدرك جيدا أن كل ذلك لم يكن سوى فسحتهن البسيطة، لبكاء حياة لم يخترنها وللاغتسال من متاعبهن النفسية المزمنة.

أحزان أنثوية

سلوى ياسينلا يمكن أن تنمحي من ذاكرتي صور بعض النساء في أسرتي، وأنا ما أزال بعدُ طفلة صغيرة، حين كن يجتمعن كل عشية، رفقة القريبات أو الجارات، على مائدة شاي وعلى إيقاع أي أغنية طويلة تواكب تلك الثرثرة التي كانت طقسا يوميا يحكين فيه قصصا يلفها الحزن من كل جانب.. تكون فيها الذكريات المستحضرة عمن غادروا الحياة عذرا معلنا للإسهاب في ذرف الدموع من أجل أحزان خفية. كنت أعرف أنني سأغادر البيت متوجهة إلى المدرسة وأنني سأجدهن عند الرجوع منها في نفس الوضعية، ينتقلن من حكاية إلى أخرى ومن ذكرى إلى أخرى دون ملل. لكن المثير في هذه الساعات الممتدة أن ذلك الحزن قد يتحول، في أي لحظة، إلى وصلة مباغتة من الفرح. وكنت أندهش من هذا القفز المنظم والمفاجئ من حالة الكآبة إلى حالة البهجة دون سابق إنذار؛ لكنني، الآن، أدرك جيدا أن كل ذلك لم يكن سوى فسحتهن البسيطة، لبكاء حياة لم يخترنها وللاغتسال من متاعبهن النفسية المزمنة.

كل لقاء من هذا النوع هو فرصة لائقة لاقتراف هذا الشجن الذي يعتبر جزءا من وجود النساء. هذا الحزن الذي يشبه شامة الخد، التي لا سبيل إلى التخلص منها، لم يكن سوى مطية للتخفيف مما تهربن وتخجلن من الاعتراف به على الملأ، ربما عن حياة زوجية قاسية. وقد كان إدمان التنهيدات العميقة عتابا مكتوما عن تحكم القدر في حياتهن، عن منعهن من إكمال التعليم.. فكانت أمسيات الثرثرة المزمنة هي رفيقتهن في الحياة للشفاء مما يتجدد يوميا من أحزان.

جدتي كانت الوحيدة، من بين شلة الأنس النسائية تلك، التي تبرع في مواربة أحزانها، حيث كانت تنجح في تجميد دمعتها كلما تذكرت جدي، وتمعن في الحديث عن مناقبه الكثيرة وشهامته وكرمه، وتفتعل الابتسام كل مرة لتخبئ ألمها العميق، لأن جدي قد رحل إلى قبره ولا داعي إلى أن تؤرق رقاده الأبدي بذكرياتها السيئة عنه، وتتعمد أن تحكي عنه بفخر وسعادة، «فإن لم يسعدها فرحها به، فليسعدها حزنها عليه»، كما يقول الشاعر سميح القاسم.

هذا الإفراط في الحزن عند النساء يقابله إفراط في كل شيء، فكل مناسبة، عادية كانت أو استثنائية، هي مناسبة تستحق الإعداد لها طويلا، لأن الفرحة بالنسبة إليهن تشبه الحزن، إدمانهما يساعد على التخفيف من سلطة الملل في حياة لا تتيح مغادرة المنزل إلا لماما، وبرفقة الرجال غالبا؛ لذلك، كان الذهاب الأسبوعي إلى الحمام مقدسا لدى كل النساء لأنه كان مناسبة للتحرر من هذه المراقبة، وقد كن يمتلكن قدرة خارقة على تحويل هذا الفضاء المغلق، بزخارفه وبخاره، إلى مهرجان مفتوح على الفرح والبوح وللزهو بما يكنزن من حلي.. كان مكانا نتعذب فيه نحن الصغار، بينما هن.. كنّ يستمتعن به لأطول وقت ممكن.

في الماضي، كنت أنظر إلى هذه الطقوس بازدراء وأعتبرها علامة على التخلف والجهل، لكنني اليوم أتفهم جيدا لماذا احترفت النساء هذا الحزن اليومي، ولماذا كن يستغرقن وقتا طويلا في القيام بأي شيء مهما بلغت درجة تفاهته.. لقد كان الوقت طويلا ومميتا.. كيف يمكن أن يعاش ويتحملنه داخل منزل دون أن تتحول معه أشغال البيت المتكررة والمنهكة إلى هوايات أثيرة، ويصبح المطبخ المثوى الأخير لمهارات كثيرة ومبهرة، لم تجد مكانا لها داخل صفوف المدرسة؛ كما أن إتقان التدبير المنزلي والتطريز وكل الفنون اليدوية، وحتى الإفراط في الزينة والاعتناء بالجسد.. لم تكن سوى طريقة لدى النساء الخاصة لنحت هويتهن الضائعة التي لا مكان لها في زمن لم يمنحها الحرية في اختيار الحياة التي ترغب وتحلم بها.. هذه الهوية الغامضة التي ما زالت عصية على الإدراك، والتي يسميها الجميع اختصارا بـ«الأنوثة».

Be Sociable, Share!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Welcome مدونات قلمي المغربية – Qalami.Net

تسجيل الدخول

هل فقدت كلمة مرورك؟

التسجيل في هذا الموقع

Join

Join us as we spread the word.