الأربعاء , 18 أكتوبر 2017
لا أظن أن كتب علم النفس والتحليلات العلمية الكثيرة التي خصصت لتفسير مرحلة المراهقة قادرة وحدها على جعلنا أكثر تفهما لسلوك المراهقين، أو قد تكون مقنعة بالقدر الذي قد يجعل الآباء والمربين يتحملون المزاج الصعب والمتقلب للمراهقين والمراهقات؛ فأحسن طريقة لجعل مواقفنا تجاههم أكثر ليونة، في نظري، هي أن نحضر صورا لنا في نفس ذلك العمر ونتفحصها، ذلك أننا سنفاجأ حتما بالطريقة الغريبة التي كنا نختار بها ألوان وأشكال ما نلبسه؛ كما يمكن أن نلقي نظرة على ما كانت تخطه أناملنا على صفحات كتاب المذكرات أو ما كنا نرسمه ونلصقه على الجدران.. لنكتشف أننا لا نختلف كثيرا عن هؤلاء المراهقين المعاصرين الذين ننتقدهم اليوم باستمرار.

من أوراق المراهقة

لا أظن أن كتب علم النفس والتحليلات العلمية الكثيرة التي خصصت لتفسير مرحلة المراهقة قادرة وحدها على جعلنا أكثر تفهما لسلوك المراهقين، أو قد تكون مقنعة بالقدر الذي قد يجعل الآباء والمربين يتحملون المزاج الصعب والمتقلب للمراهقين والمراهقات؛ فأحسن طريقة لجعل مواقفنا تجاههم أكثر ليونة، في نظري، هي أن نحضر صورا لنا في نفس ذلك العمر ونتفحصها، ذلك أننا سنفاجأ حتما بالطريقة الغريبة التي كنا نختار بها ألوان وأشكال ما نلبسه؛ كما يمكن أن نلقي نظرة على ما كانت تخطه أناملنا على صفحات كتاب المذكرات أو ما كنا نرسمه ونلصقه على الجدران.. لنكتشف أننا لا نختلف كثيرا عن هؤلاء المراهقين المعاصرين الذين ننتقدهم اليوم باستمرار.

شخصيا، حين أجد نفسي غير قادرة على فهم نفسية وتصرفات المراهقين وشعورهم المبالغ فيه بألا أحد يفهمهم، أعيد قراءة ما كتبته في ذلك العمر الحائر، لأكتشف أن اضطرابي المراهق كان مفضوحا في تلك النصوص، حيث الكلمات تتوالى وتصطدم بأخرى على نحو مبهر ومثير للضحك والاستغراب.. تلك الكتابات، التي كنت متأكدة حينها أنها قصائد شعرية، كان فيها من القلق النفسي أكثر مما كان فيها من الشعر، لكنني مع ذلك لم أكن أتقبل أن يقرأها أحدهم ويقول إنها مجرد خواطر بسيطة فاض بها القلب في لحظة من لحظات ذلك العمر القلق، حيث كنت أرى بدوري أن آراءهم حولها ليست سوى مؤامرات يعرقلون بواسطتها حلمي في التحليق الأدبي والشعري.

وإذا كان من الرائج أن لا شيء في تصرفاتنا يفلت من التسرع والاندفاع في فترة المراهقة، فيبدو أنني قد ركبت مخاطر القصيدة دون تروٍّ أو تخطيط مسبق، وتسلقت القوافي بسرعة وتهور مثلما يحسن المراهقون صعود سلالم ذات عشرين درجة في خمس أو ست خطوات. ولأن المراهقة هي أفضل وقت لارتكاب الأخطاء، فقد كانت أبرز زلاتي في ذلك العمر هي تسرعي في نشر أولى نصوصي النثرية والشعرية، أو بالأحرى ما كنت أظنه في الرابعة عشرة من العمر نثرا وشعرا. وكان خطئي الأكبر أنني أرسلت نصوصي تلك إلى إحدى المجلات الأدبية المرموقة التي لا تنشر سوى لكبار الشعراء والنقاد،  دون أن أعرضها على أحد كي يصححها أو يبدي رأيا حولها.. وقد كان كل همي أن أمنح نفسي لذة التباهي بأن اسمي يمكن أن يكتب على صفحات المجلات.

وأستطيع اليوم أن أتخيل أن أحد المسؤولين عن التحرير في تلك المجلة الأدبية قد قرأ ما كتبته، وربما أسلم نفسه لنوبة من الضحك، مثلما أفعل أنا نفسي حين أقرؤها اليوم؛ ويمكن أن أخمن أنه قد أحالها على المهملات دون تردد، في وقت كنت أنتظر فيه بشوق أن يتم نشرها، وأحلم بالمجد الذي سأجنيه بين أسرتي وأصدقائي حين سيرون كيف أنني أمسك بناصية الشعر في سن صغيرة.

لكن بالرغم من أن الناس يرون أن كتابات المراهقة لم تكن ناضجة بما يكفي، بسبب غموضها وبدائيتها، وأنها غالبا ما تشبه منمنمة شرقية كثيرة الزخرف والتعقيد، فإنها -على ما يبدو- تكشف بوضوح عن قدرة المراهقين التخيلية المثيرة، وتنم عن قدرتهم الذهنية الرائعة على اكتشاف وتجريب المعاني العذراء للحياة. وكل مرة نقرؤها نرى أنها محاولات جريئة وتعلوها في نفس الوقت حمرة خجل المراهقين. وهي، في النهاية، كتابات لا يمكن أن يُؤتى مثلها إلا في ذلك العمر الجميل والحالم الذي لم تتلوث فيه بعد الصور والرموز في مخيلتنا الفتية.

Be Sociable, Share!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Welcome مدونات قلمي المغربية – Qalami.Net

تسجيل الدخول

هل فقدت كلمة مرورك؟

التسجيل في هذا الموقع

Join

Join us as we spread the word.