الأربعاء , 23 أغسطس 2017

احذر أن تمد أنفك إلى الخارج… !

عنوان هذا الإدراج تحريف يسير للعبارة التحذيرية التي نجدها في ردهات القطارات وحافلات النقل العمومي ببلادنا، وفحواها:( احذر أن تمد ذراعك إلى الخارج).

وأذكر أنني كنت شديد الشغف بتتبع وقراءة مثل هذه العبارات والإشارات التنبيهية التي يمكن أن يصادفها أحدنا في عربة أو حافلة أو قطار، أو حتى في المرافق العمومية  ذات الاستخدام العام.

ومن هذه العبارات المستفزة للذوق العام في بعض الأحيان: (ممنوع البصق والتنخيم)، (الفرامل قوية تمسك بالمقابض والقضبان)، (لا تتكلم مع السائق)، (ممنوع الخروج قبل الوقوف النهائي للقطار)… وغير ذلك من الأمثلة العجيبة التي يضيق المجال الآن عن سردها، وقد تحمل في طياتها كثيرا من الأمراض اللغوية على مستوى بناء الجملة العربية وتركيبها النحوي، فضلا عن لهجتها الفضة الاستبدادية الآمرة المفتقدة لحس الكياسة واللباقة. وقد نعود إلى هذا الموضوع الطريف بنوع من التفصيل في إدراجات لاحقة.

وربما أدرك القارئ الكريم منذ الوهلة الأولى السبب الذي أوحى لنا بهذا العنوان أعلاه؛ ففي هذه الأيام العالمية الموبوءة بأنفلونزا الخنازير، ومن خلال الصور القادمة إلينا من البوابات الحدودية العالمية عند المرافئ والموانئ والمطارات نفهم سبب هذه القيامة الدنيوية التي قامت حول الأنوف المتورمة المزكومة والأجسام البشرية المحمومة.

ولم يحدث في أي وقت مضى أن جهزت محطات استقبال المسافرين في كل نقط العبور العالمية بأجهزة الرصد الحراري فائقة الدقة، وهي تنذر بصفيرها ووميظها كلما رصدت ارتفاعا غير طبيعي في حرارة أحد القادمين أو العابرين ليعم الهلع وتنتشر الفوضى وتقوم القيامة ويعزل ذلك المسافر المسكين سيء الحظ عن العالم الخارجي في المحجز الصحي ويحكم عليه وعلى المرافقين له والمحيطين به بوضع الكمامات وكتم الأنفاس ويسأل سؤال منكر ونكير: من أنت ، ومن أين قدمت؛ هل من بلاد الخنازير أم من بلاد الحمير أم من المكسيك أم من بلاد العم سام؟، وماذا قدمت وماذا أخرت من أكلك وشربك ونومك، وهل لمست خنزيرا أو خنزيرة، أو شممت أو قبلت…؟. وكأنه في يوم الحشر، وكأن زبانية جهنم قد أحاطت به من كل جانب ترهقه بالسؤال والتفتيش وبالبحث والتنقيب عن كل شاردة وواردة من تفاصيل حياته وتصرفاته…

حقا إنها لدنيا غريبة أن تتساوى فيها عولمة المعلومات والفيروسات الإلكترونية الفتاكة بالأجهزة الرقمية مع عولمة الأوبئة والجراثيم الفتاكة بالأجساد الآدمية. وأن يكتب على أحدنا أن يكون بين صبح أو مساء في وضع المسجون داخل زنزانة جبرية كونية من غير ذنب اقترفه أو جرم اجترحه، وبحيث لا يستطيع أن يمد أنفه إلى ما وراء زجاج النوافذ وخشب الأبواب.

وقديما قيل: تتجاوز حريتك عند أرنبة أنفك!…

Be Sociable, Share!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Welcome مدونات قلمي المغربية – Qalami.Net

تسجيل الدخول

هل فقدت كلمة مرورك؟

التسجيل في هذا الموقع

Join

Join us as we spread the word.